محمد جواد مغنية

162

الشيعه والحاكمون

وتنتحر ، حتى لا يغضب عليك ؟ ! . . ان الإمام الكاظم لم يخرج على حاكم ، ولا دعا أحدا إلى مبايعته ، ولم يحرك ساكنا ضد الرشيد ولا غيره ، وكل ذنبه انه وارث علم النبيين ، وانه إمام حق وهدى ، والرشيد إمام باطل وضلال . ارسل الرشيد جلاوزته إلى الإمام موسى بن جعفر ، وكان يتعبد عند قبر جده ، فأخرجوه منه ، وقيدوه ، وأرسله الرشيد إلى البصرة ، وكان عليها عيسى بن جعفر بن المنصور ، فحبسه عنده سنة ، ثم كتب عيسى إلى الرشيد ان خذه مني ، وسلمه إلى من شئت ، وإلا خليت سبيله ، فقد اجتهدت ان آخذ عليه حجة فما قدرت على ذلك . فحبسه ببغداد عند الفضل بن الربيع ، ثم عند الفضل بن يحيى ، ثم عند السندي بن شاهك ، وأخيرا تخلص منه بالسم ، وقيل : ان السندي لفه على بساط ، وقعد الفراشون على وجهه ، فانتقل إلى ربه خنقا . لقد عللت في ملاحظاتي السابقة ، وانا أتكلم عن ظلم الأمويين ، ومن إليهم ، عللت مثل هذه الفجائع بالحقد واللؤم ، وما إلى ذلك من الصفات ، وحين اطلعت على الرشيد ارتسم في ذهني شيء جديد ، وهو ان ذات الانسان ، اي انسان تتحول من حقيقتها قبل الحكم إلى حقيقة أخرى بعده تحولا يباين ما كانت عليه مباينة تامة ، بحيث ان أرباب المناصب يقيسون كل شيء بما يحفظ مناصبهم وسلطانهم ، فلا دين ولا عقل ولا وجدان ولا علم ، ولا شيء إلا المنصب ، وإلا فبماذا نفسر تلك الوداعة والخلق الكريم عند الضعيف الذي لا يقدر على شيء وهذه القسوة والفظاظة بعد ان يصبح قويا مسلطا ، وأعنى بالمنصب اي منصب دينيا كان أو دنيويا ، فالرئيس الديني العام تماما كالرئيس الزمني دون اي تفاوت كل منهما لا يرى إلا منصبه ، سوى ان المرجع الديني يتراءى له ان تقديس منصبه ، والاحتفاظ به من صميم الدين ، تماما كتقديس أية شعيرة من الشعائر الدينية . وليس من شك ان هذا أكثر خطرا ، وأشد ضررا ! . . ولا استثني إلا